أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
270
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
إظهارها . والفرق بينها وبين لام كي أنّ هذه على المشهور شرطها أن تكون بعد كون منفي ، ومنهم من يشترط مضيّ الكون ، ومنهم من لم يشترط الكون ، ولهذه الأقوال دلائل واعتراضات مذكورة في كتب النحو استغنيت عنها هنا بما ذكرته في « شرح التسهيل » . وفي خبر « كانَ » في هذا الموضع وما أشبهه قولان : أحدهما : - وهو قول البصريين - أنه محذوف وأنّ اللام مقوية لتعدية ذلك الخبر المقدر لضعفه ، والتقدير : ما كان اللّه مريدا لأن يذر ، ف « أن يذر » هو مفعول « مريدا » ، والتقدير : ما كان اللّه مريدا ترك المؤمنين . والثاني - قول الكوفيين - : أنّ اللام زائدة لتأكيد النفي وأنّ الفعل بعدها هو خبر « كانَ » ، واللام عندهم هي العاملة النصب في الفعل بنفسها لا بإضمار « أن » ، والتقدير عندهم : ما كان اللّه يذر المؤمنين . وضعّف أبو البقاء مذهب الكوفيين بأنّ النصب قد وجد بعد هذه اللام ، فإن كان النصب بها نفسها فليست زائدة ، وإن كان النصب بإضمار « أن » فسد من جهة المعنى لأنّ « أن » وما في حيّزها بتأويل مصدر ، والخبر في باب « كانَ » هو الاسم في المعنى فيلزم أن يكون المصدر الذي هو معنى من المعاني صادقا على اسمها وهو محال » . أمّا قوله : « إن كان النصب بها فليست زائدة ممنوع ؛ لأنّ العمل لا يمنع الزيادة ، ألا ترى أنّ حروف الجر تزاد وهي عاملة ، وكذلك « أن » عند الأخفش و « كان » في قوله : 1506 - . . . * وجيران لنا كانوا كرام « 1 » وقد تقدّم تحقيق ذلك في غير موضع . و « يذر » فعل لا يتصرّف ك « يدع » استغناء عنه بتصرّف مرادفه وهو « ترك » ، وحذفت الواو من « يذر » من غير موجب تصريفي ، وإنما حملت على « يدع » لأنها بمعناها ، و « يدع » حذفت منه الواو لموجب وهو وقوع الواو بين ياء وكسرة مقدرة ، وأمّا الواو في « يذر » فوقعت بين ياء وفتحة أصلية ، وقد تقدّم تحقيق القول فيه عند قوله تعالى : وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا « 2 » . قوله : حَتَّى يَمِيزَ « حَتَّى » هنا قيل : للغاية المجردة بمعنى « إلى » ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » ، وقد تقدّم تحقيقه في البقرة . والغاية هنا مشكلة على ظاهر اللفظ ؛ لأنه يصير المعنى أنه تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية وهي التمييز بين الخبيث والطيب ، ومفهومه أنه إذا وجدت الغاية ترك المؤمنين على ما أنتم عليه . وهذا ظاهر ما قالوه من كونها للغاية ، وليس المعنى على ذلك قطعا ، ويصير هذا نظير قولك : « لا أكلّم زيدا حتى يقدم عمرو » فالكلام منتف إلى قدوم عمرو . والجواب عنه : أن « حَتَّى » غاية لما يفهم من معنى هذا الكلام ، ومعناه أنه تعالى يخلّص ما بينكم بالابتلاء والامتحان إلى أن يميز الخبيث من الطيب . وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الأنفال « 3 » : « يميّز » بالتشديد ، والباقون بالتخفيف . وعن ابن كثير أيضا « يميز » من أماز ، فهذه ثلاث لغات ، يقال : مازه وميّزه وأمازه . والتشديد والهمزة ليسا للنقل ، لأنّ الفعل قبلهما متعد ، وإنما فعّل
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 278 ) . ( 3 ) انظر آية ( 37 ) .